مقترحات السياسة العامة

لا تزال الدراسة العلمية للسعادة والرفاهية في مهدها، ولكن يمكن أن يقدم البحث بعض الأفكار عن العوامل ذات الأهمية.
لدينا السبب في الاعتقاد على سبيل المثال أن بعض العوامل التي تسبب الأمراض العقلية ترجع في الغالب إلى وجود معدل منخفض من السعادة. إننا نلاحظ وجود ارتباط سلبي قوي جداً في أوروبا بين الدول التي يوجد بها مستويات مرتفعة من الاكتئاب وهؤلاء الذين يدعون السعادة. وبناءً عليه، فإنه من المعقول الاعتقاد بأن السياسات التي تهدف إلى زيادة معدل السعادة ستقلل أيضاً من معدل الإصابة بالأمراض العقلية والاضطرابات. يمكن ملاحظة هذا النمط في مجالات أخرى. فعلى سبيل المثال، تبين الدراسة وجود علاقة قوية جداً بين متوسط استهلاك المشروبات الكحولية  في إحدى الدول ونسبة مدمني المشروبات الكحولية. استنتج العلماء أن الانخفاض العام في استهلاك المشروبات الكحولية قد يكون أكثر فاعلية من التدخلات المستهدفة للأفراد الذين يعانون من مشكلات مع المشروبات الكحولية1. يوجد سبب للاعتقاد بأن هذا "النهج الشامل" يمكن الاستعانة به بشكل جزئي على الأقل لوضع سياسة سعادة تتسم بالفاعلية.
نقترح فيما يلي عدد من الجوانب التي من الهام إلقاء الضوء عليها من منظور السياسة الاجتماعية. إنها مجرد عينات من الاحتمالات التي قد يتمخض عنها المزيد من الأبحاث. لقد ركزنا على وجه الخصوص على الجوانب التي لا يتم التطرق إليها في مناظرة عامة بشكل طبيعي ولا يتم تصنيف المقترحات بشكل متبادل.
1. المحافظة و تطوير المؤسسات و المناخ الاجتماعي اللذان يشعران المواطن السويدي بالسعادة.
 توجد ثمة أسباب للاعتقاد أن مستوى السعادة المرتفع في السويد يرجع بشكل جزئي على الأقل إلى ارتفاع مستويات الثقة لدى المواطن ووجود معدل منخفض من الفساد ووجود مؤسسات مجتمعية تعمل بشكل جيد والمناخ الاجتماعي الفردي والمتسامح نسبياً.  قد يمثل انخفاض معدل البطالة في السويد والمستوى الاقتصادي الجيد فارقاً. من الضروري الحفاظ على كل هذا، بالمدى الذي يتفق مع المقترحات الأخرى لتعزيز عملية تطوير هذه العوامل الاجتماعية.
2. العمل على استغلال الوقت بشكل أكثر مرونة
 قد يكون التركيز المتزايد على استغلال الأشخاص للوقت وما يقومون به من أنشطة ذو أهمية كبيرة لتحسين رفاهية المجتمع. تشير الدراسات السابقة إلى أن الأفراد الذين يقضون وقت في قضاء الأنشطة الترفيهية الفاعلة يكونون أكثر سعادة من هؤلاء الذين يقضون أوقاتهم في الأنشطة السلبية. يمكننا أيضاً في السويد ملاحظة أن الأفراد الذين يقضون الكثير من الوقت مع الأصدقاء والذين يشاركون في الأعمال الخيرية والذين يقومون بالأنشطة البدنية يكونون أفضل بشكل متوسط من هؤلاء الذين يقضون وقتاً أقل في القيام بهذه الأنشطة. يشير أحد المقترحات إلى أن السياسيين وغيرهم من صناع القرار يركزون بشكل أكبر على استغلال الأشخاص للوقت على أنها قضية اجتماعية هامة.
وفقاً للاستبيان الاجتماعي الأوربي، يقول 27 بالمئة من السويديين أنهم راضون عن التوازن بين العمل والترفيه بينما يقول 30 بالمئة أنهم نادراً ما يجدون وقتاً لكي يقوموا بالأشياء التي يحبونها. يتم مناقشة تقليل ساعات العمل من حين لآخر في مناظرات السياسة السويدية. قد تكون عملية التقليل مفيدة لأنها ستقدم وقتاً للأشخاص لكي يقوموا بعمل أنشطة أكثر استمتاعاً (مثل الأنشطة الترفيهية الفاعلة). يجب أخذ العوامل الأخرى التي تؤثر على بيئة العمل والاقتصاد والبيئة بعين الاعتبار.
3. تقديم التعليم الذي يعزز من السعادة في المدارس 
 يعد تشجيع الأطفال والشباب على الاستمرار في المدرسة خطوة هامة في تطوير مجتمع أكثر سعادة. قام فريق من الباحثين الأمريكيين بتصميم "برنامج بن ريزلينسي" لكي يستخدم في المدارس لكي يعلم الاطفال أن يكونوا متفائلين بشكل أكبر وأن يكونوا قادرين على التعامل مع المحن بشكل أفضل.  يقوم البرنامج على العلاج السلوكي الذهني وقدم نتائج إيجابية في العديد من الدراسات2. "فريندس" هو برنامج جديد ذو توجه مماثل استطاع أن يبرهن على مدى فاعليته في عدد من الدراسات3. لم يتم تقييم أي من هذه البرامج من الناحية العلمية في السويد، إلا أننا نعتقد انه من الجيد اختبار هذه المداخلات في ظل الأوضاع  السويدية.
قد تكون فكرة جديدة لتقديم المزيد من الألعاب الرياضية في المدارس. في ظل وجود دراسات مماثلة من دول أخرى، يمكننا ملاحظة وجود علاقة بين النشاط البدني ومعدل السعادة في المجتمع السويدي. بالرغم من عدم وضوع العلاقة السببية، يوجد سبب للاعتقاد بأن النشاط البدني قد يساهم في ارتفاع معدل الرفاهية. يشير عدد من الدراسات، على سبيل المثال، أن النشاط البدني عبارة عن وسيلة فاعلة في تقليل أعراض الإصابة بالاكتئاب4.
4. تعزيز العلاقات الاجتماعية
تعد العلاقات الاجتماعية الجيدة، بلا شك، أحد العوامل الهامة في حياة سعيدة. وفقاً للاستبيان الاجتماعي الأوروبي، حوالي 7 بالمئة من السكان ليس لديهم أصدقاء مقربين قد يناقشون معهم المشكلات الشخصية. يقضي حوالي 30 بالمئة أوقاتهم مع أفراد العائلة والأصدقاء أقل من مرة واحدة في الأسبوع. نلاحظ أن هذه المجموعات أقل سعادة من المتوسط.

بجب أن يعتبر السياسيون كيفية تكوين أوضاع أفضل للأشخاص لكي يقوموا بإعادة بناء شبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بهم. قد تكون عبارة عن توفير أماكن لكبار السن وأندية للشباب وزيادة الرياضة بهدف تقديم أنشطة مجتمعية. يجب اعتبار العديد من الخيارات.
5. إبلاغ الأشخاص عن نتائج بحث السعادة 
يمكن أن يقدم بحث السعادة معلومات قيمة للأفراد عن مدى أهمية القرارات الحياتية. إننا نجد من الصعوبة بشكل عام التنبؤ بكيفية التأثير على مستوى الرفاهية من خلال الخيارات التي نقوم بها. إننا لا نقيم مدى سرعة التكيف مع التغييرات الخارجية بشكل دقيق ونركز بشكل كبير على العوامل المادية. فعلى سبيل المثال، يغالي الأشخاص في تقييم مدى تأثير ارتفاع الدخل أو المناخ الذي ينعم بالدفء أو علاقة الحب على مستوى الرفاهية 5 6.
مثال آخر وهو الذهاب إلى العمل. تشير العديد من الدراسات أن الذهاب إلى العمل احد أسوأ الأنشطة لمستوى الرفاهية 7 8. كما تشير إحدى الدراسات إلى أن الاشخاص الذين يقطعون مسافة طويلة للذهاب إلى العمل (ساعة واحدة على الأقل) يكون لديهم نسبة أعلى من الدخل وينفقون الكثير من الأموال على الاستهلاك أكثر من الشخص العادي9. إلا أن هذه الفئة يكون لديها معدل متوسط من الرضى عن نمط الحياة.  من المحتمل أن لا يتم اعتبار الأثر السلبي للمسافة الطويلة التي يتم قطعها للذهاب إلى العمل، عندما يقوم الأشخاص باتخاذ القرارات فيما يتعلق بالعمل والأمور المالية. يمكن أن يقدم بحث السعادة في هذا الصدد معلومات للأشخاص لكي يقوموا بدراسة الأمر قبل اتخاذ قرارات هامة في حياتهم. فعلى سبيل المثال، لا يكون مفيداً قبول عمل يقدم دخل مرتفع ولكنه يتطلب قطع مسافة طويلة.
6. تقديم قياسات لسعادة الأشخاص بصفة دورية
 توجد فكرة بأننا نجيد تحقيق ما نقوم بقياسه. قياس أي شيء يجعل الأمر أكثر جدية، كما أنه من خلال عمل قياسات، يمكننا تحديد مدى سير الأشياء في الاتجاه الإيجابي أو السلبي. تدرس كلاً من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والأمم المتحدة حالياً عمل قياسات للسعادة والرفاهية كجزء من التقارير الخاصة بهما حول التنمية البشرية. يجب أن تتبع السويد نفس المسار وتطبق قياسات موحدة لقياس مدى سعادة الشعب السويدي. قد لا يكون من الواقعي الاعتقاد أنه يجب على الحكومة أن تكون قادرة على اتخاذ مقياس واحد للسعادة أو تبني "مؤشر سعادة" ولكن يمكن الجمع بين العديد من القياسات لتقديم صورة واضحة عن ما يشعر به الأشخاص. تشتمل هذه المقاييس على مقاييس للرفاهية بشكل عام، وجود مشاعر إيجابية وسلبية بالإضافة إلى مقاييس لحالات الاكتئاب وغيرها من الأمراض العقلية. من الممكن بعد ذلك الاستعانة بمجموعة منتظمة من البيانات في تحليل مدى تأثير التغيير الاجتماعي والقرارات السياسية على مستوى السعادة لدى الشعب السويدي. تتطور الأساليب الجديدة والتي يمكن الاعتماد عليها بشكل أكبر لقياس مستوى السعادة بشكل مستمر.  نظراً لتحسين الأساليب المستخدمة في عملية القياس، ستكون النتائج أكثر موثوقية.
بالإضافة إلى مستوى السعادة البشرية بشكل مباشر، يجب علينا أيضاً قياس وفحص العوامل ذات الصلة. كيف يقوم الأشخاص بقضاء أوقاتهم؟ ما هي طبيعة علاقاتهم الاجتماعية؟ ما مدى شعورهم بالتفاؤل أو التشاؤم؟  هذه الأسئلة ضرورية للتحقق والمتابعة نظراً لأن هذه العوامل تمثل محددات رئيسية لمعدل السعادة.
7. تعزيز السعادة في البلدان الأخرى
يبين بحث السعادة أن معدل السعادة يكون مرتفع  بطريقة منهجية في الدول الغنية بشكل أكبر من الدول الفقيرة. قد تكون هذه النتائج واضحة، ولكن التنمية الاقتصادية تمثل أداة هامشية مصغرة بكل تأكيد. توجد أسباب جيدة للاعتقاد بأن معدل السعادة في الدول الغنية مثل السويد لا يزيد بشكل كبير عند ارتفاع معدلات نمو إجمالي الناتج المحلي. تقديم مزيد من المساعدات إلى البلدان الفقيرة، التي قد يكثر فيها استخدام المصادر المالية، يكون اقتصادي من حيث التكلفة بشكل كبير. لا شك أن عملية نقل الموارد هذه تؤدي إلى وجود أثر إيجابي أكبر على الدول التي تتلقى ذلك  بشكل أكبر من وجود المصادر في السويد.
8. تقديم الدعم للمجموعات التي لا تشعر بالسعادة في الغالب
بالرغم من شعور معظم الشعب السويدي بالسعادة، توجد مجموعة كبيرة تتكون من حوالي مليون شخص من الذين لا يشعرون بالسعادة وتبدوا عليهم علامات الاكتئاب وغير ذلك من الاضطرابات النفسية. قد يوافق معظم الأشخاص على أن تقديم المساعدة لهذه الفئة لكي تعيش حياه أفضل إحدى الأولويات الأساسية للمجتمع. بالإضافة إلى المقترحات الأخرى المبينة، يوجد سبب للاعتقاد بأنه يجب دراسة تقديم إجراءات معينة للمجموعات التي تعاني من الاكتئاب أو غير ذلك من الإضطرابات النفسية.
بينت دراسة تعريفية جديدة مدى فاعلية العلاج النفسي وأن الحلول اقتصادية التكلفة مثل المساعدة الذاتية الموجهة والعلاج من خلال شبكة الإنترنت تتساوى من حيث الفاعلية مع العلاج النفسي في حالات الاكتئاب وغير ذلك من اضطرابات القلق10. ولذا، قد يبدوا من المنطقي بأنه يتعين على مزيد من المقاطعات اتباع مجلس مقاطعة ستوكهولم الذي يقدم، من خلال التعاون مع معهد كارولنسكا، علاجاً إلى المقيمين بالمقاطعة من خلال الإنترنت. المرض العقلي يمثل قضية هامة متعلقة بالنوع حيث تزيد نسبة السيدات من بين الذين يعانون من أعراض الاكتئاب والأمراض العقلية. كما أنه من الضروري الحرص على توافر الضروريات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية لجميع الأشخاص. تظهر حالات الاكتئاب وعدم السعادة بشكل كبير بين الأشخاص الذين يعانون من المرض والبطالة وذوي الدخل المنخفض. بما يتفق مع قانون تقليل المنفعة الهامشية، قد يبدوا من المنطق تفضيل التوسع في إعادة توزيع الموارد على هذه المجموعات.